محمد بن جرير الطبري
215
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
نحو الذي ذكرنا عن الربيع بن أنس - فإنهم وَجَّهوا ذلك إلى مثل الذي وَجَّهه إليه من قال : هو بتأويل " أنا الله أعلم " ، في أنّ كلَّ حرف منه بعضُ حروفِ كلمةٍ تامة ، استُغْنِيَ بدلالته عَلى تَمامه عن ذكر تمامه - وإن كانوا له مُخالفين في كلِّ حرف من ذلك : أهو من الكلمة التي ادَّعى أنه منها قائلوا القول الأول ، أم من غيرها ؟ فقالوا : بل الألف من " ألم " من كلمات شتى ، هي دالةٌ على معاني جميع ذلك وعلى تمامه . قالوا : وإنما أفرِد كلُّ حرف من ذلك ، وقصَّر به عن تمام حروف الكلمة ، أن جميعَ حُروف الكلمة لو أظهِرت ، لم تدلَّ الكلمة التي تُظهر - التي بعضُ هذه الحروف المقطعة بعضٌ لها - إلا على معنى واحد لا على معنيين وأكثر منهما . قالوا : وإذْ كان لا دلالة في ذلك ، لو أظهر جميعها ، إلا على معناها الذي هو معنى واحدٌ ، وكان الله جل ثناؤه قد أراد الدلالة بكلّ حرف منها على معان كثيرة لشيء واحد - لم يَجُز إلا أن يُفرَد الحرفُ الدالُّ على تلك المعاني ، ليعلمَ المخاطبون به أنّ الله عز وجل لم يقصد قصد مَعنًى واحدٍ ودلالةٍ على شيء واحد بما خاطبهم به ، وأنه إنما قصد الدلالةَ به على أشياء كثيرة . قالوا : فالألف من " ألم " مقتضيةٌ معانيَ كثيرةً ، منها تمامُ اسم الربّ الذي هو " الله " ، وتمامُ اسم نعماء الله التي هي آلاء الله ، والدلالةَ على أجَلِ قومٍ أنه سنة ، إذا كانت الألف في حساب الجُمَّل واحدًا . واللام مقتضيةٌ تمامَ اسم الله الذي هو لطيف ، وتمامَ اسم فَضْله الذي هو لُطفٌ ، والدلالةَ على أجَلِ قوم أنه ثلاثون سنة . والميم مقتضيةٌ تمامَ اسم الله الذي هوَ مجيد ، وتمامَ اسم عظمته التي هي مَجْد ، والدلالةَ على أجَلِ قوم أنه أربعون سنة . فكان معنى الكلام - في تأويل قائل القول الأول - أن الله جل ثناؤه افتتح كلامه بوَصْف نفسه بأنه العالِمُ الذي لا يخفى عليه شيء ، وَجعل ذلك لعباده مَنهجًا يسلكونه في مُفتتح خطبهم ورسائلهم ومُهِمِّ أمورهم ، وابتلاءً منه لهم ليستوجبوا به عظيمَ الثواب في دار الجزاء ، كما افتتح ب ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ، و ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ ) ، [ سورة الأنعام : 1 ]